الشيخ داود الأنطاكي

122

النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة

وأما صاحب الفلسفة ، فيرى أن القلب مبدأ سائر الأرواح والقوى وانها ترد عليه قابلة لأن تكون ارواحاً وقوى ، فيخرجها كذلك لأنه الرئيس المطلق . وردوا قوله بمباحث : أحدها : أن الأرواح أعظم ما تكون موضع التوليد ثم تقل في غيره ، ويجب أن يكون مجراها في المبدأ أعظم ، ونحن نرى الأوردة عظيمة عند الكبد والأعصاب عند الدماغ وتصغر عند القلب ، فلو كانت الأرواح والقوى فيه اولًا ، لم تكن كذلك . وهذا تغفل ؛ لأنا نجيب : بأنه لا يلزم عظم المجاري عند القلب لكونه مبدأ الأرواح ؛ لأنها انما احتاجت في الكبد إلى العظم ؛ لأنها قريبة من الدم والغلظ ، وهنا قد ضعفت ورقت . والدماغ في الأعلى فيرسل بسرعة وغلظ الأعصاب عنده للحاجة إلى الحس لا لما ذكروا . وثانيها : انه لو كان هو المبدأ ؛ لتضررت سائر الأعضاء حال تضرره . وهذا اهمل من الأول ؛ لأنه لا يستمر الارسال ابداً كما لا يستمر الاكل دائماً ؛ لأن الأعضاء يتوفر عندها من الأرواح بقدر اجرامها فتكتفي به زمناً ، إلّا ترى أن الخفقان متى استمر تغير البدن كله وهكذا ! وثالثها : أن القلب لو كان مبدأً لكان أقوى من سائر الأعضاء في الاحساس والتخيل وغيرهما ، وليس كذلك . والجواب : أن التخيل مثلًا انما يحس في الدماغ أقوى ؛ لأن أبوابها فيه والا فالصحة ليست إلّا من القلب . ورابعها : انه لو كان هو المبدأ لكان يجب أن يكتفي بعلاجه عن كل عضو ممروض . والجواب : أن مورِد هذا الاشكال ما أظنه إلّا مخبولًا ، وليس العجب إلّا من ناقليه ، فإنه لا يرتاب العاقل في خروج خلط أو غيره ، فمن محل توليده صحيحاً ثم تطرأ عليه العلّة في مكان آخر . وبقي اعتراضات آخُر اضربنا عنها لاهمالها . والعجب أن لبعضهم أجوبة عنها اهمل منها . وما ذكرته هنا فجميعه لي . وأقل الأجوبة عن مطلق هذه الأسئلة : انهم

--> ( 1 ) سورة الإسراء : الآية 85 . )